بيان عن حكم القتال في سوريا

بيان عن حكم القتال في سوريا


بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.​​​وأما بعد :

فلقد كثر السؤال عما يجري في سوريا، وهل فيها جهاد؟

وللجواب عليه نقول: إن الاقتتال الذي يحدث في سوريا إنما هو اقتتال فتنة وفساد من كل الأطراف المتقاتلة, وراياتها كلها رايات عُمِّيَّة، ولا منها شيء مشروع أو في سبيل الله؛ فالذي في سبيل الله هو ما قال فيه رسول صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح البخاري ومسلم- : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»، وكيف يكون في سبيل الله وهم يصرحون أنهم لو انتصروا -ومنهم حزب الإخوان- لا يحكمون الشريعة وإنما يحكمون الديمقراطية، ومن الديمقراطية: أن الحق للشعب في اختيار الحكم والحاكم في منأى عن الدين؛ وذلك تأليه للإنسان، إذ يعطى حق التشريع والتحليل والتحريم وذلك من حق الله - تعالى - وحده، ولا مانع عندهم أن يحكم كافر أو امرأة!!، فالدين لا دور له في ذلك الاقتتال.  

وتلك الفتنة تشبه الفتنة التي لا يدري القاتل فيها فيمَ قَتل، ولا المقتول فيها فيمَ قُتل، والقاتل والمقتول في النار، كما صح في ذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: «والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيمَ قَتل، ولا المقتول فيمَ قُتل»، فقيل كيف يكون ذلك؟ قال: «الهَرْج، القاتل والمقتول في النار»، والهرج: القتل.

وليس في تلك الأحداث جهاد أبداً، وبعضها أسوأ وأفسد من بعض، وكلها مشتركة في الفساد والفتنة والتخريب والتدمير, ولا فيها تميُّزٌ ولا تمييز؛ فهي فوضى.

 

والقتل المشروع في الإسلام ومبرره ما قال الله - تعالى – فيه في قتل ابن آدم أخاه: )مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا( الآية.

 

وكلهم ظالمون سُلِّط بعضهم على بعض, وقد قال الله -تعالى-] :وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (, وعن الفضيل بن عياض -رحمه الله- أنه قال: \"إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر فيه متعجباً\". 
وهنا يجب التفريق بين الجهاد وبين القتال؛ فالجهاد له شروطه وضوابطه وآدابه وتستتبعه أحكامه ونتائجه، ومن شروطه: وجود الراية السلطانية التي ينضوي تحتها المجاهدون في سبيل الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: « وإذا استُنْفِرتم فانفروا» رواه البخاري ومسلم.
وإذا عدم الجهاد قد لا يعدم القتال أي: لا يلزم من عدم الجهاد عدم القتال، والجهاد حكماً باق إلى قيام الساعة لا يبطله عز عزيز ولا ذل ذليل، لكن لا يلزم وجوده في كل وقت.

ولا يكون الجهاد إلا بحق, أما القتال فمنه ما يكون بحق ، وهو قتال الدفاع، ومنه ما ليس كذلك, وقد يكون قتال فتنة وشر وفساد كالذي يجري في سوريا عموما, وما كان منه مشروعاً وبحق ففيه ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: «من قتل دون ماله فهو شهيد, ومن قتل دون دمه فهو شهيد, ومن قتل دون دينه فهو شهيد, ومن قتل دون أهله فهو شهيد», وذلك للمسلمين المظلومين المعتدى عليهم من أهل سوريا وغيرهم وأينما كان المسلم.

 

وما ليس بحق وليس مشروعاً -حتى ولو كان من مسلم- ففيه قوله صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح البخاري ومسلم-: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار», وفي صحيح مسلم: «إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار», وعلل ذلك صلى الله عليه وسلم في أن كلاً منهما كان حريصاً على قتل صاحبه, أو كما في رواية مسلم – السابقة -: «إنه قد أراد قتل صاحبه».

وقد بين لنا رسول الله -الذي لا ينطق عن الهوى- أن الفتن ستكون، وحذرنا منها عند حدوثها، وأن السلامة منها في البعد عنها، ودلنا على المخرج منها -كما في صحيح البخاري ومسلم-  في قوله: «ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومَن يُشْرفْ لها تَسْتَشْرفْه، ومن وجد ملجأ أو معاذاً فليعذ به»، وغير ذلك مما في شأن الفتن. 

والفتاوى لا تكون بالعواطف والوصول إلى أهداف وغايات دنيوية حزبية أم غير حزبية قريبة أم بعيدة، والذين يفتون بالجهاد في سوريا يفتون بغير علم وعلى غير هدى، وكذا الحركيون الذين اجتمعوا لذلك من رموز ونجومية الإخوان المسلمين زاعمين-زوراً- أنهم هم علماء المسلمين دون غيرهم، وهم - في الحقيقة - مهندسو الفتنة والفوضى في الربيع العربي، الذي لا خير فيه أو لا يرجى منه،  ويدعون إلى الفتنة ويهيجون عليها ويغررون - للأسف- بالمسلمين في وسائل الإعلام.

 

ولا شك أنهم يتحملون تبعات سلوكهم وفتاواهم من تلك الدماء التي تراق والفساد الذي يحدث والتدمير الذي يجري بغير حق وإهلاك الحرث والنسل.

بل هم على تبعية الشيطان بعيداً عن قوله -تعالى-:
)وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا(.

ولا يجوز أن يخلط بين عدم الجهاد في سوريا –في ضوء الشريعة- وبين مساعدة وإعانة المشردين والمصابين المظلومين جراء تلك الفتنة بأي نوع من المساعدة والإعانة، داخل سوريا وخارجها؛ فذلك مشروع وفيه الأجر العظيم, وفي السعي- أيضاً - في إيقاف تلك الفتنة والقضاء عليها في مهدها، وقى الله المسلمين شرها، من أهل سوريا وغيرهم. 

والله أعلم وأجل وأعلى، وصلى الله على محمد وآله وأصحابه ومن اتبعه وسلم تسليماً كثيراً.

 

كتبه
فالح بن نافع الحربي
في 6/8/1434هـ

رابط اليوتيوب للمقال صوتيا
http://www.youtube.com/watch?v=h-0qmmakKaw

 




بتاريخ: 2013/06/16